إن اسهامات رفيق الحريري الخيرية والإنمائية لا تحصى، وأبرزها المساعدات المتعددة الأوجه لستة وثلاثين ألف طالب جامعي في جامعات لبنان وخارجه
أنت هنا
الرياض والازهار والرياحين عند شعراء المشرق في العصر العباسي
التبويبات الأساسية
فهد جميل الحاج شحادة
الجامعة |
القديس يوسف |
الاختصاص |
اللغة العربية وآدابها |
الشهادة |
السنة |
الصفحات |
د. دولة |
1994 |
238 |
يذكر الباحث في المقدمة بان البيئة العباسية قد زهت بمظاهر الحضارة الجديدة، وكان اثارها في الأدب ان اتسمت الحياة الادبية والفنية بثورة خرج انصارها على التقاليد الموروثة، ودعوا الى التجديد والصدق واستيحاء الطبيعة. وكان العصر العباسي، على اختلاف مراحله، غنيا بالأدباء والشعراء، ولعل هذا الغنى ناشىْ عن الحياة الثقافية التي ازدهرت بفعل المدارس وحلقات التدريس ووفرة الكتب والمؤلفات الموضوعة والمنقولة. وكان الادباء والشعراء من جنسيات مختلفة تفاعلت في خضم البيئة العباسية، وتوفر لهم عمق في الثقافة، واتساع في الخيال، وقدرة على الوصف والتصوير، فحملوا الى الادب العربي دما جديدا وروحا جديدة. يضيف الباحث بان الرياض والازهار والرياحين كانت من اكثر الموضوعات الهاما لهم، ومن اعمقها تأثيرا في نفوسهم، فهاموا بها حبا تجلى شعرا يعبر عن مفاتنها، ويصورها موئلا للجمال ينشدون فيه المتعة والراحة. وهذا الشغف بعناصر الطبيعة الصامتة من رياض ازهار ورياحين جدير بالبحث والدراسة.
يشرح الكاتب ان ما دفعه الى هذا البحث هي بواعث وميول تأصلت في النفس، وهي بمجملها وليدة تعلق بمظاهر الحضارة، ورغبة في تجسيد القيم الفنية والجمالية المستوحاة من عالم الطبيعة؛ فالحديث عن شعر الرياض والازهار والرياحين طريف لا ريب ، واستحضار هذا اللون من الشعر في موضوعات متناغمة، واستجلاء مضمونه كغرض ادبي متميز وجديد له مزاياه المحببة في النفس والوجدان. وقد وجد من خلال التراث الأدبي ان الباحثين برأيه قد تعرضوا للموضوع في باب الوصف باشارات عابرة، وركزوا اهتمامهم في اللغة والبيان والبلاغة. وظل هذا الشعر مبعثرا في الدواوين والمصادر في ابواب الغزل والفخر والمديح والخمر. اما شعر الرياض والازهار والرياحين في المشرق، من حيث هو غرض مقصود لذاته، وما تركه من أثر في النفوس، فذلك بحث لم يخصه احد بعناية كافية. فهذه الرياض ميزت البيئة العباسية، وكانت مصدر وحي والهام، وجعلت هذا اللون من الادب اصيلا في النفوس حتى غدت هذه الاصالة حافزا مهما من حوافز هذه الدراسة. الى جانب ما يحفل به هذا الشعر من تهذيب للنفوس بحيث تبتعد معه عن التفكير في عالم القهر والسيطرة الى عالم مفعم بالقيم الجمالية والروحية يجد الانسان فيه تحقيقا لذاته، وتعبيرا صادقا عن هذه الذات في تعلقه بمظاهر الطبيعة.
ارتأى الكاتب ان يكون العصر العباسي زمانا لهذه الدراسة لأن الشعر الروضي بناء للدراسة كثيرا ما بدا فيه غرضا مقصودا لذاته، ولأن التجديد في مضمون القصيدة العربية طغى فيه على التقليد، وحل وصف الرياض والازهار والرياحين بديلا عن الاطلال في مطالع القصائد، وغدت الازهار والرياحين باقات يحيا بها الممدوح، واضحت الرياض مرتعا يطيب فيه اللقاء وشرب الخمر مما استلزم وصفها في الخمريات.
وكان الأدب الاندلسي، كما توضح الدراسة، حافلا بالشعر الروضي حيث اهتم شعراء الاندلس بمعطيات الطبيعة اشكالا والوانا وابعادا، وتبدت النزعة الرومنسية في تغنيهم بجمال الطبيعة التي كان لها المقام الاول في الموشحات. ولعل السبب في ذلك ان الاندلس بقعة تمتاز بالخصب والجمال ووفرة المياه مما اثر في نفس العربي ورقق من شعوره ووسع خياله. وقد كثرت الدراسات حول هذا الموضوع، وظلت مقتصرة على ادب الاندلس.
اما الحدود المكانية لهذه الدراسة ففي بلاد الشام والعراق وفي سائر الاقاليم الشرقية من المملكة الاسلامية.
اتبع الباحث في هذه الدراسة المنهج التاريخي مركزا في تبويب مصادر الدراسة وتتبع مراحل التطور التي مر بها هذا الغرض الادبي، وفي التعريف بأهم الاعلام. وتقيد بالمنهج المعجمي في التعريف بالازهار والرياحين، واستجلاء صفاتها ومميزاتها، لما في هذا الترتيب من تسهيل في تتبع اصنافها، واستلهم المنهج الاحصائي في المقارنة بين الشعر الروضي المدروس وبقية الاغراض الادبية، وفي الاحاطة بانواع الصور الشعرية التي استلهمها شعراء المشرق من بيئتهم العامرة باصناف الروض والزهر.
وتبدت للكاتب نتيجة الجمع والتفتيش مجموعة من الموضوعات البارزة بمضمونها وتآلفها مع الرياض والازهار، فجاء تبويب هذه الدراسة نتيجة طبيعية لهذا العمل. وكانت المقطوعات الشعرية سبيله وادلته في ترتيب اجزائها، فقسمها الى مقدمة وخمسة فصول وخاتمة.
انطلق في الفصل الاول منها : (الرياض) انطلاقة عامة تحدث فيها عن الرياض عموما، وقسمه الى قسمين: الحدائق العامة واماكن التنزه، والرياض وعناصر الطبيعة. ثم اخذ بالتخصيص شيئا فشيئا، فعرف في الفصل الثاني (الازهار والرياحين) بانواع الازهار والرياحين التي ذكرها شعراء العصر العباسي، وتناول التعريف اصل التسمية وموطن النبتة وصفاتها وما اوحت به للشعراء. وبين الفرق بين الزهر والريحان انطلاقا من الارج الذي يتضوع من الرياحين ويميزها عن بقية الازهار. ثم تناول في الفصل الثالث : (مملكة الازهار والرياحين) ما أوحت به بعض المقطوعات الشعرية من معان جديدة، وسمى هذا الفصل مملكة لما يكشفه هذا الشعر من ولع بعض الشعراء في تصوير العلاقات، من تآلف او تضاد بين عناصر الرياض من ازهار ورياحين حتى غدت كل روضة بمنزلة مملكة تخيل لها الشعراء نظاما شبيها بأنظمة البشر. ثم عرض في الفصل الرابع : (الانسان بين الرياض والازهار والرياحين) مصورا شغف الانسان بالرياض وعلاقته بالازهار والرياحين، وما نشأ عنها من عادات وتقاليد. وتناول الفصل الخامس: (شعر الرياض والازهار والرياحين: دراسة فنية)، المستويات الفنية والجمالية في الشعر المدروس ليحيط بمقوماته الشكلية بعد ان ان تمت الاحاطة بمقومات مضمونه.
ويذكر الكاتب انه تعرض لصعاب فرضتها طبيعة الموضوع؛ فقد كان الشعر الروضي جزءا من سائر الموضوعات وكان مبعثرا في الدواوين والمصادر الأدبية، فعمل على استخراجه منها، وترتيبه في فصول هذه الدراسة. وانه لم يكن أمامه مثل يحتذيه، او اعمال شبيهة يحاول متابعتها واتمامها. وزاد من الصعاب التي اعترضت سبيله ان بعض المصادر المهمة فقد من المكتبات، ولم يتمكن من الاطلاع عليها، ككتاب "الروضيات" لمحمد راغب الطباخ. وهو وثيق الصلة بموضوع هذه الدراسة.







